عندما تسقط فتجزم ألاّ نهوض، وتنزل لدرجة يصعب معها الصعود، فلا تجد لنفسك عزما، و لا قوة و لا فهما،، هنا.. تقرر ألاّ تعود، و توقن بانتهاكك للعهود، فتولي الأدبار تاركا، النور إذ أصبح خافتا، فتدفن قلبك الذي مات، و تشتغل أنت بالتفاهات، و لكن القلب المدفون تحرك، فنفض عنه التراب و استدرك، فبرز سر واحد جبار، ينقذ القلوب قبل أن تنهار ..انه الإصرار. إصرار رغم الخطأ و الزلة، إصرار رغم الهوان و الذلة! إصرار حتى الوصول، إصرار حتى القبول..

السبت، 14 يوليو 2012

إنسان الحضارة.. من يكون؟



إنسان الحضارة، لستُ أقول عنه سوى أنه إنسان تجلت فيه مظاهر الإنسانية. إنه إنسان صاغ واقعه بشكل يتناسب وفطرته. ارتفع عن بهيمية الغرائز.استمع إلى صوت العقل الذي مُيّز به. فاشتعل بنفخة الروح التي تسري في أركانه. أعمل فكره ثم شغل جوارحه بشكل أدى إلى إنتاج الحضارة. فكان هو إنسان الحضارة..!
  • الصفة الأولى: مؤمن (حامل للعقيدة):
بغض النظر عن ماهية إيمانه، فما أقصده هو أنه يؤمن بدين ما، عقيدة، أو حتى فكرة فلسفية، المهم أن خاصية الإيمان هذه ترتقي به إلى عالم الروح وتضفي عليه نوعا من “الغائية” التي ترتفع به عن النتائج الدنيوية وتخلصه من سيطرة الغرائز وتربطه بعالم القيم والأخلاق ، فتحرك بداخله طاقة خفية تخرجه من عالم “التكديس”[i] كما يقول بن نبي، فيكون بذلك حامل “لفكرة دينية”، أو كما أسماها الدكتور جاسم سلطان في  قوانين النهضة بالفكرة المركزية[ii] التي تعتبر هي محور الحركة. وبما أن الفكرة الدينية أو المركزية هي المحرك نحو التغيير الحضاري، فمن البديهي أن يكون إنسان الحضارة – الذي يعتبر المغيِّر والفاعل حضاريا- يتصف بحمل هذه الفكرة في وجدانه، ويؤمن بها إيمانا يرتقي به إلى عالم الروح. ولقد ضرب مالك بن نبي مثلا في غاية الروعة في معرض حديثه عن أثر الفكرة الدينية في البناء الحضاري لم أجد أفضل منه لأمثل به، حيث قال: ” هذا القانون نفسه – ويقصد قانون الروح الذي طبعته الفكرة الدينية- هو الذي كان يحكم بلالاً حينما كان تحت سوط العذاب يرفع سبابته ولا يفتر عن تكرار “أحد..أحد..!” إذ من الواضح أن هذه القولة لا تمثل صيحة الغريزة، فصوت الغريزة قد صمت؛ ولكنه لا يمكن أن يكون ألغي بواسطة التعذيب، كما أنها لا تمثل صوت العقل أيضا فالألم لا يتعقل الأشياء. إنها صيحة الروح التي تحررت من إسار الغرائز بعدما تمت سيطرة العقيدة عليها نهائيا في ذاتية بلال بن رباح”[iii].
إن صفة الإيمان هي التي تؤدي إلى البناء الحضاري، كما أنها هي التي تحافظ عليه؛ إنها تشعل فتيل البناء أول مرة، وتحميه من تسلل الغلبة المادية عندما تزخر الحضارة بعالم الأشياء الذي نتج عن ذلك البناء، فتكون الغائية التي تصحب صفة الإيمان هي نظام المناعة الذي يدرأ عن الحضارة خطر الركون إلى عالم الأشياء الذي قد يقودها إلى الانحدار.
  • الصفة الثانية: مثقف (حامل لجذوره الثقافية):
ما أقصده بالمثقف هنا، ربما لا يكون نفس المعنى السائد والمتداول، أي ذلك الشخص واسع الإطلاع – وإن كان هذا مطلوبا وضروريا في إنسان الحضارة – ولكن ما أقصده هنا بالضبط، هو ذلك الإنسان المتجذر بثقافة حضارته، المرتبط بها، الحامل لها.. وإلا كيف ينتسب إليها؟! فمفهوم الحضارة يحتوي على شق مادي، وآخر معنوي هو ما نعبر عنه بالثقافة، ولهذا من الضروري أن لا يكون إنسان الحضارة مغتربا عن ثقافته طالما أنها تشكل جزءا من مضمون حضارته.
إن إنساننا اليوم أصبح مشوها ثقافيا، فاقدا للخصوصية المميزة له ولقد عبرتُ عنه ذات مرة فقلت واصفة إياه: “سرواله عصري، قميصه عصري، حذاؤه عصري ، تسريحة شعره عصرية، لا يختلف كثيرا عن البقية الآخرين ، اللذين جردتهم “العصرنة” من خصوصياتهم البشرية وجمعتهم تحت نمط هوليودي واحد موحد، لا تركتهم شعوبا وقبائل ليتعارفوا، ولا علمتهم ذوقًا وأدبًا”.
هذا الإنسان الخالي من مظاهره الثقافية، المتجسِد بثقافة أخرى هيمنت عليه، والتي أشرت إليها بقولي “نمط هوليودي واحد موحد ” لا يمكن أن يكون إنسان حضارة طالما أنه يلهث خلف ثقافة غيره. وأود أن أوضح أن ما أقصده بالثقافة، ليس فقط المظهر- كما قد يهيأ للقارئ من تلك السطور التي أردت فقط أن أوصل من خلالها الصورة النمطية التي مسحت معالم الثقافة الذاتية-  ولكن الثقافة هي مجموع القيم المعرفية والسلوكية التي تنبثق من حضارة الإنسان وهويته، إنها الجذور التي لن ينمو غرسه إذا ما اقتلعها، فحتى ثماره إذا كبرت فستكون دون رائحة أو لون أو طعم!
  • الصفة الثالثة: مبدع (صاحب فكر مجدد):
إنسان الحضارة ليس بالإنسان النمطي، المقلد، التابع، الرتيب. إنسان الحضارة هو ذاك الذي ارتوت عروقه بدماء التجديد والابتكار والإبداع حين تسامى بروحه فتسامت معه ممكناته وانطلق فكره ليتحف ويجدد، إنه إنسان لا يخضع عقله للأفكار القديمة دون نقد أو تمحيص، إنه إنسان لا يكتفي بما وجد عليه آباءه الأولون بل إنه دائم الإعمال لعقله، مجدد في فكره وفعله.. هذا الإبداع الذي يتصف به إنسان الحضارة يكون نتيجة التهيئة المناخية له، وإننا لنجد في الحضارة الإسلامية أروع النماذج الإبداعية من عقول فذة جددت الفكر وأبدعت فيه، مثل: “الغزالي وأبو حنيفة، ومالك، والشافعي، وأحمد، وسيبويه، والكندي، والفارابي، وابن رشد، وغيرهم ممن اختلفت أوطانعم وتباينت جذورهم  وقدمت من خلالهم الحضارة الإسلامية إلى الإنسانية أروع نتاج الفكر الإنساني.
و كيف لا نجد مثل هذه النماذج وغيرها في حضارة يقول مؤسسها-صلوات ربي عليه- في الحديث المتفق عليه، “إذا اجتهد فأصاب فله أجران، وإن اجتهد فأخطأ فله أجر”! فكان فتح باب الاجتهاد من أهم المبادئ التي فتحت باب إعمال العقل، أزالت هاجس الخوف من الخطأ، فأطلقت مكامن الإبداع في الحضارة الإسلامية.
  • الصفة الرابعة: ذوّاق (حامل للجمال):
الذوق الجمالي هو توأم الإبداع، وهما رفيقان في كيان إنسان الحضارة. ولقد تنبه مالك بن نبي للدور الحضاري الذي تلعبه النزعة الجمالية في كيان إنسان الحضارة حيث قال: “لا يمكن لصورة قبيحة أن توحي بالخيال الجميل أو بالأفكار الكبيرة، فإن لمنظرها القبيح في النفس خيالا أقبح، والمجتمع الذي ينطوي على صور قبيحة، لابد أن يظهر أثر هذه الصور في أفكاره وأعماله ومساعيه”. ولهذا لا يمكن لإنسان الحضارة إلا أن يكون ذوّاقا تطبع في خياله صور الجمال قبل أن يطبع حضارته بها، كما أن صور الجمال في حضارته تطبع خياله ليزيد الجمال جمالا فيرتقي بذائقته وبالتالي بحضارته، إنها علاقة مركبة وضرورية  تلك التي توجد بين الجمال وإنسان الحضارة، ولذلك لابد له من أن يكون ” ذوّاقـا”!
نجد في الحضارة الإسلامية أمثلة الجمال لا تعد ولا تحصى، وهي لم تكن تقف عند زخارف المآذن والصوامع والقباب والقناطر، بل يظهر الحس الجمالي حتى في الابتكارات الميكانيكية وغيرها حيث لم تخلُ من اللمسات الجمالية التي طبعت إنسان الحضارة الإسلامية..
فإذا كان إنسان الحضارة عموما لا يعدو عن كونه مفكرا أو عالما أو فنانا.. فإنه لن يستغني عن الجمال كي يطبع به فكره أو علمه أو فنه، وكلما ارتقت ذائقته..ارتقى معها إنتاجه الحضاري!
  • الصفة الخامسة: فعّال (صاحب منطق عملي إنتاجي):
الفعّالية هي صفة لصيقة بالبناء الحضاري، ولا يمكن لإنسان الحضارة إلا أن يتصف بها. فهي التي تترجم الفكر الحضاري إلى واقع حضاري، وبدونها لا يمكن الحديث عن حضارة. وكما يصف ابن نبي الفعالية فإنها ” نتاج حالة خاصة من التوتر، توتر في الضمير، أي توتر أخلاقي واقتصادي وعلمي ونفسي… وهو حالة نفسية اجتماعية دلّ التاريخ على أنها تنشأ في ظروف معينة، تكون فيها المبررات التي تكوِّن الدوافع الإنسانية التي تدفع النشاط إلى أعلى قمته”[iv].
فهذا التوتر الذي تطبعه الفكرة في النفس فيخرجها من الفتور هو الذي جعل عمار بن ياسر في التجربة الإسلامية مثلا ينقل حجرين بدل الحجر الواحد أثناء بناء المسجد النبوي، وهو الذي جعل “استاخانوف” في التجربة الماركسية ينتج عشرة أطنان من الفحم بدل الخمسة التي ينتجها زملاؤه ، وهو الذي جعل ألمانيا تنهض من العدم بعد الحرب العالمية الثانية [v].
و لعلي أكون قد وفقت في اختيار صفات إنسان الحضارة بشكل يتناسب وطبيعة الإنسان وطبيعة الحضارة المركبتين، بحث لم أغفل النسق الشمولي الذي يتمتع به إنسان الحضارة.
ألخص هذه الصفات إذا في خطاطة أقرب للوضوح في التصور الذهني:

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ 
[i]  مفهوم التكديس يطلقه بن نبي على عناصر الحضارة؛ الإنسان، التراب والوقت، عندما لا يتم استغلالها من أجل البناء الحضاري.
[ii]  انظر قوانين النهضة، القواعد الإستراتيجية في الصراع والتدافع الحضاري|الدكتور جاسم سلطان. الصفحة رقم 13.
[iii]  أنظر “شروط النهضة” لمالك بن نبي، الصفحة رقم 75| الطبعة الثانية.
[iv]  نقلا عن عمر عبيد حسنة، من بحثه “الظاهرة الغربية في الوعي الحضاري*أنموذج مالك بن نبي”.
[v]  هذه الأمثلة نقلتها من نفس البحث آنف الذكر بتصرف.

الرابط :http://feker.net/ar/2012/06/25/11508/

الجمعة، 18 مايو 2012

بيجوفيتش..ينتصر للإنسان !






لأنه هو القائل: “لو لم يكن الليل لكنا بقينا عاجزين عن رؤية السماء ذات النجوم، وهكذا يجردنا الضوء بعض الرؤية في حين أن العتمة والظلام يساعداننا على أن نرى شيئا”.. كان لابد للعتمة الشيوعية شديدة الظلمة أن تكون سببا في بزوغ نجمه.. وسطوع نوره المتلألئ, الذي أضاء العالم بقطبيه الغربي والشرقي، في ثنائية عجيبة  تشبه فلسفته التي يُعرِّف من خلالها الإسلام ويُدهِش بها الأفهام!
علي عزت بيجوفيتش، ثمانية وسبعين عاماً أُسدِل ستارها في 19 أكتوبر 2003، تبدو سنوات زهيدة جدا بالمقارنة مع عظيم إنجازات شخص جمع بين الجهاد والسياسة، والفكر والإبداع والفلسفة!
إنه رئيس البوسنة والهرسك، الذي ينتمي إلى أسرة بوسنية عريقة، وهب حياته لمعاناة شعبه وللتصدي للظلم الذي يحيق به، حمل مشروعه الإصلاحي، ودوّن فكره وفلسفته بين نضال وسجن. هو ذاك الرجل المسلم الذي ترعرع في كنف العالم الغربي، فجمع بين الإسلام الصحيح والتمكن العميق من فلسفة الغرب وثقافته، فكان أن أتحفنا في باكورة أعماله “الإسلام بين الشرق والغرب” بفلسفة جديدة هزت الأوساط المثقفة بجميع توجهاتها..
بين المادة والروح .. ثنائية بيجوفيتش!
يضع بيجوفيتش ثلاث رؤى يعتقد أنه لا يمكن تفسير العالم على نحو آخر غيرها؛ الرؤية المادية، الرؤية الروحية، والرؤية الإسلامية.
ثم يقوم من خلال أسلوب فلسفي عميق بإظهار عجز الفلسفة المادية عن تفسير مكنون إنسانية الإنسان، وعدم قدرتها على احتواء العديد من الظواهر كالفن والأخلاق.
في المقابل يبين أن الرؤية الدينية المستغرقة في الجانب الروحي ليست كافية للاستجابة لواقعية الحياة الإنسانية ولا يمكن اعتمادها كبديل للطرح المادي، كما أن الطرح المادي لن يكون بديلا للطرح الديني. وهنا يقدم الحل المتمثل في الإسلام بصفته وحدة ثنائية القطب، تمزج بين المادة والروح دون صراع أو تنافر.
ولقد تجسدت قوة طرح بيجوفيتش في اعتماده على الآراء الفلسفية الغربية التي يبدو بوضوح تمكنه الشديد منها، حيث استطاع أن يدحض الرؤى الغربية للعالم من خلال أفكارها وثقافتها، واستطاع أن يهدم البنية المادية بذكاء شديد من خلال كشف قصورها وعدم مقدرتها عن استيعاب مفهوم الإنسانية، فكان الإنسان “الطبيعي” في مقابل الإنسان “الإنسان”, هو الوتر الرئيس الذي عزف عليه علي عزت عزفا مستغرقاُ في الجمال..
كشف لنا عن شخصية عميقة الفكر مشبعة بالإيمان محيطة بالإيديولجيات والأفكار إحاطة تمكنه من أن يستقوي عليها ويضعها في ميزان النقد بأسلوب واثق أكيد، ومنطق متألق فريد!
إنه علي عزت بيجوفيتش، الذي دافع عن إنسانية الإنسان بفكره وفلسفته، ثم دافع عن  إنسانية الإنسان بنضاله وجهاده، فكان بحق: الفيلسوف المجاهد!

الأحد، 15 أبريل 2012

"""

http://www.aljazeeratalk.net/node/9115


نَدى الفِكْر .. قَطراتُ السّدِّ المَنِيع
بين البناء و التجميع: المسيري أنموذجاً
بقلم/ سهام أمسغرو







في كل مرة تَتَجمّع فيها حبيبات الندى لتشكل تلك القطرة المتدلية من أهداب الزهر لدرجة تغريك معها بأن تمد يدك كي تلقّــفَها.. فيتشَرّبُها جلدك لتبُـثّ فيه بِضعًا من حياة،  فاعْلَم أنهّا بَنَتْ في روحك حسّا خفيا لا يكاد يرى له أثرا ! فآه لو أنك عرّضت لها وعاءً أسفل منها فيمتلئ قِطْرًا ندِيّا على مهلٍ يسقي الروح بأتمّها، فيكتمل بناء الحِس، و يستحيل بضع الحياة حياةً كاملة !
 وكذلك هي خيالات الأفكار.. إذا ما تجمعت لتنشئ فكرة –كبيرة كانت أم صغيرة- فإنها تلقي بلبنةٍ في بنائك الفكري، لبنة قد تـبْـنِي رُفقة لبناتٍ أخرى سورًا مائلا ،أو سقفا أعوجا، أو بيتا هشا، إذا لم تهيئ لها الإطار الهندسي الملائم لتشييد بناء صلب متين يستثمر كل طوبة في موقعها الصحيح. إنه الوعاء في حال قطرات الندى، الذي جعل من جَمعِ الحُبيبات جمعًا للقطرات.. بل، وكذلك مياه الأمطار، قد تتجمع في حفرة و قد تتجمع في نَهَر، وقد تتجمع وسط الزرع فتهلكه بدل أن تحييه !  وما جعلت السدود إلا بمثابة الوعاء أو البناء الذي يحفظها ويجعلها قابلة للنفع و الاستغلال.
 ومن هنا، كان ضروريا للإنسان أن يشيد سدا منيعا يجمع شتات فكره المتهاطل، جمعًا يجعله منتفِعًا ونافِعًا بخلاصاته الفكرية، تراكماته المعرفية، و ليس مجرد جمعٍ لا يُعْلِي سقفا و لا يُنبت زرعا..
و يا لعظمة ذلك الإنسان، الذي يشيد فكره من شتات القراءات و التجارب و المعارف، تشييد من حوَّط السد أولاً،  وأنشأ القنوات التي تجعل من فكره صيبا نافعا يسقي الحرث والنسل،  مُتحليا بعبق قطرات الندى، صابرا على بُطئِ وُرُودها مُتأنّيـَا.. فيؤتي أكله كلّ حين ! 
 

ولذلك، تكون عملية التجميع مفيدة إذا ما قرنت بعملية البناء، فالتجميع لا يغني أبدا عن إيجاد الوعاء الذي يصب فيه تلك المعارف المجمّعة، بل أكثر من ذلك، فهو يختارها بعناية قبل تجميعها، فهذا الوعاء يشكل الإطار المنهجي التي ينقح و يفرز و يُوجّه و يسدد و يقارب. إنه  يرصّ اللبنات رصا متناسقا ينتج عنه فكر  واضح. فكر من شأنه أن يُخرج لنا من عالم الأفكار إلى عالم الواقع نتائج ملموسة من إبداع عَمَلي يحقق تغييرا واقعياً . فبناء الحياة ما هو في الحقيقة إلا بناء للفكر ، وإنه لمن المؤسف حقا أن يضيع الإنسان جهده في تجميع للأفكار والمعارف بشكل عشوائي لا يفضي الى بناء فكري حقيقي يقود إلى بناء للحياة..!


بين البناء و التجميع: المسيري أنموذجاً


 ولقد تحدث د.عبد الوهاب المسيري عن ثلاث ذئاب هاجمته في حياته الفكرية قبل أن يُسيْطر عليها[i]، من بينها الذئب الهيجيلي المعلوماتي الذي يجعل الإنسان يستغرق في البحث عن المعلومات بشكل تفصيلي إلى أن ينهش هذا الذئب صاحبه دون الوصول إلى ما لانهاية، و لقد لخص إشكالية التجميع الغير ممنهج عندما تحدث عن بعض ضحاياها قائلا:
"فبعضهم يحشد التعميمات التي لا يربطها رابط (أسميها "أفكاراً" في مقابل فكر) ،والبعض الآخر يحشد المعلومات التي لا يربطها رابط أيضا.." [ii]
كما أن في اعتماده على الباحثين من أجل عملية تجميع المعلومات، ليتمكن هو من الانتاج الفكري خصوصا في انجازه للموسوعة، نموذج رائع للبناء الفكري الذكي الذي يخلف أثرا واضحا .. ولذلك كان يدعو النقاد دائما –كما يقول- إلى "رؤية ما يكتب في إطار معرفي تحليلي يتجاوز الإطار المعلوماتي التراكمي"[iii].

ولهذا، فما الفكر إلا ندى لن تزهوَ الحياة بعبقه إلا بتجميع  قطراته في سد منيع !





[i] الذئب الأول و الثاني هما:الثروة والشهرة
[ii] أنظر "رحلتي الفكرية، في البذور والجذور والثمر" ص: 171
[iii] أنظرنفس المرجع السابق:، ص: 573

السبت، 7 أبريل 2012

عَلى حافّة الموضوعية.. هاوِية الهَوى !




إنّ التفكير الموضوعي هو إعمالٌ للعقل بطريقة ينتج عنها فكر متوازن عميق لا يخضع لمؤثرات غير المنطق السليم و الحجة الدامغة و الرغبة الصادقة في طلب الحق. و من هنا كان ضروريا أن يُشكل التجرد من الهوى – بصفته واحدا من أهم هذه المؤثرات - عنصرا أساسيا في بناء الموضوعية الفكرية. إنه تخليص للإدراك العقلي من شوائبٍ قد تحول دون  إقرار الإنسان بالفكرة السليمة ليس لشيء سوى لأنها لا تتماشى مع مزاجه أو شهوته أو هوى نفسه، وكما قال مصطفى السباعي: أكثر ضلال الناس من أهوائهم لا من عقولهم !

فعندما يقول رب العزة في كتابه الحكيم: {بل اتبع الذين ظلموا أهواءهم بغير علم} فهو يكشف حقيقة قرار المشركين عندما اختاروا الإعراض عن طريق الإيمان. إنهم لم يرفضوه نتيجة اقتناع  بـ" علم"، وإنما كان رفضهم  نتيجة اتباع لأهوائهم الشخصية.. و لذلك فإن المشركين عندما كانوا يغلقون آذانهم كي لا يستمعوا إلى كلام الله المرتل بصوت نبيه الكريم فإنهم لم يعرضوا لأن فحوى الدعوة المحمدية لم يرقَ إلى قناعاتهم العقلية، فهم لم  يطلعوا عليه أساسا، ولكنهم رفضوه لأنهم لم يتجردوا من أهوائهم التي لا تقبل التغيير و تفضل المكوث في العقلية التي كان عليها آباؤهم.

 و إذا نظرنا إلى فرعون، أولم يكن يصِرُّ على لعب دور الإله حتى آخر لحظة تبين له فيها زيف عرشه الذي اصطنعه هواه؟ ،بل أوليس الحاكم العربي اليوم يعيش في عزلة فكرية نسجت شباكها شهوة السلطة فتعارضت مع كل المعطيات الواقعية الموضوعية  فأودت به إلى ما نراه اليوم !؟
أوليس الرأي الدولي الذي يتفرج على المجازر السورية محكوما بهوى المصالح التي  تجعل من الدماء المسفوكة رخيصة إلى هذا الحد؟ أوليست القضية الفلسطينية خاضعة لنفس المعايير من قبل؟ ! 

إن خطورة عدم التجرد من الهوى تكمن في لحظة الحسم بين أفكارٍ تحتاج إلى إعمال العقل المبني على الاستدلال و الحجة و البرهان، فيأتي الهوى بحُجبِه ليصرف الفكر عن كل ذاك ليتربع هو على عرش القرار، فيهلك صاحبه بِردِّه عن الحق و طرحه في براثين الضلال،  وكما قال شيخ الإسلام بن تيمية رحمه الله: "و صاحب الهوى يعميه الهوى و يصمه"

و الحقيقة أن كل فكرة تُطرح في ميزان الموضوعية فهي تحتاج لتجرد من الهوى، و هذا أمر عسير إلا على من صدق في طلب الحق، و أخلص في تمحيص الرؤية ! لأن الشهوة قد تتلبس أحيانا بلباس العقل بحيث تقدم مبررات تحت مسمى المنطق، و لكن لا يخضع لتأثيرها من قدّم الحق على ما سواه و رغب في الوصول إليه متجردا له، فالصدق و التحري في خبايا النفس و اتهامها إلى حين ثبوت براءتها من مراوغاتها المشبوهة التي تبغي بها التحايل على العقل هو السبيل للنجاة من هاوية الهوى.. 
ومن النماذج المبهرة لهذا التمحيص من أجل التجرد من الهوى قصة سيدنا علي في إحدى المعارك، عندما همّ بقتل أحد المشركين، فبصق فيوجهه، فتركه، فسأله: "لما لم تقتلني؟" فأجابه: " كنت سأقتلك لله، أما و قد بصقت عليك كنت سأقتلك لنفسي، فعفوت "فهل لنا بيقظة تلتقط الهوى كتلك !





السبت، 12 نوفمبر 2011

الاستلهام الحضاري استلهام للهوية!





هناك من لا ينطق بالحديث عن الحضارة إلا وتجده متحدثًا عن النموذج الغربي بصيغة توحي بحتمية استلهامه في أي بناء حضاري، و في الحقيقة أجد منطق هؤلاء يشبه منطق فتاة تعاني من البدانة منبهرة برشاقة صديقتها، اختارت كحل لبدانتها أن تخيط ثوبا بمقاسات صديقتها الرشيقة وليس بمقاساتها هي، بدل أن تفكر في كيفية إيجاد حل لإنقاص وزنها، فلا هي بذلك حاكت ثوبا يناسبها، ولا عالجت مشكل البدانة عندها!
لقد أحسن مالك بن نبي عندما صنف الأفكار التي يستعيرها الإنسان من ثقافة أخرى و يتبناها و يقلدها ضمن “الأفكار القاتلة” و كما قال: “لا يمكن لمجتمع في عهد التشييد أن يتشيّد بالأفكار المستوردة أو المسلطة عليه من الخارج”. إن هذه الفكرة في حد ذاتها عقبة في طريق أي بناء حضاري، فهي تجمع بين الانبهار بالآخر و الضعف في تقييم الذات و الخلل في فهم مقومات الحضارة.
لا شك أن الحضارة الأوروبية حققت الكثير من التقدم العلمي و التكنولوجي و الصناعي، و لا شك أنها تعيش حالة من التمدن الذي يكفل للمواطن الراحة و الرفاهية الكافية من أجل عيش كريم، لكنه ليس بالخفي أن هذه الحضارة فارغة تماما من أي قيم أخلاقية معنوية، و بقدر ما تتقدم في عالم المادة فهي تنحدر في عالم الروح، و بقدر ما تنشأ المصانع و المعامل فإنها تنشأ دور المسنين و مراكز علاج الإدمان.. فهي تبني المدينة و تهدم المجتمع، تشيد الاسمنت و تهدم الإنسان.
في المقابل، نجد أنه في عالمنا العربي والإسلامي، يفصلنا عن الحضارة الأوروبية أشواط كبيرة في مجال البناء المادي، في ذات الوقت الذي نفتقد فيه انتمائنا لذواتنا و هوياتنا و لقيمنا الدينية الأخلاقية، و هذا الوضع هو الذي جعل الكثيرين يخضعون لهذه الحالة من التأثر و الانبهار بالحضارة الغربية و ينادون بتبني خطواتها من أجل السير في طريق التحضر كأنه لا يوجد طريق سواه. إنه الخواء ما يجعل الانبهار بالزخرف ممكنا !
فعندما نجد مثل هذا الانبهار الجارف الذي لا يُلتفَت فيه إلى النفس بقدر ما ُيلتفت فيه إلى الآخر، فإننا نعاني من ضعف في تقييم الذات، إننا لا نفقه أننا نحمل جذور حضارة بداخلنا تفوقت بكثير على هذه الحضارة العرجاء التي تغري أنفسنا بالانجراف نحوها، إننا نطمس كل القدرات المتوفرة لدينا و التي تميزنا و نريد أن نستورد أخرى ليست على مقاسنا، إننا بذلك نحتقر أنفسنا و نحكم على أنفسنا بمنزلة التبّع و نحرمها من مراكز القيادة..عندما نفكر في استلهام النموذج الغربي كطريق حتمي للبناء الحضاري، فإننا ننكر ذواتنا، و لا نحسن الاستماع إلى أصواتنا الداخلية التي تصرخ قائلة، إن الحضارة هنا .. فقط نقب عنها و ضع لنفسك من خلال نفسك خطة و طريقا.. !
يقول مالك بن نبي: “مشكلة كل شعب هي في جوهرها مشكلة حضارته. ولا يمكن لشعب أن يفهم أو يحل مشكلته ما لم يرتفع بفكرته إلى الأحداث الإنسانية، وما لم يتعمق في فهم العوامل التي تبني الحضارات أو تهدمها” ولذلك فالحضارة هي حالة من الارتقاء في سلم التاريخ الإنساني تحدث في مجتمع ما، من خلال مجموع النظم المادية و القيم المعنوية التي يسير وفقها و التي يتميز بها عن غيره من المجتمعات. فهي ليست شيئا مستوردا، و لكنها رقي ينطلق من مقومات المجتمع و خصوصياته الذاتية. و بالتالي فإن محاولة الاستلهام الحضاري هي فكرة خارج سياق مفهوم البناء الحضاري طالما أنه دخل دائرة التقليد و فقد الخصوصية الذاتية. و لهذا أعتقد أن من يتحدث عن هذا الاستلهام يعاني من خلل في فهم الحضارة من أساسه، و يحصرها في مفهوم ضيق ساذج ينم عن انبهار بالبناء المادي السطحي دونما إدراك لماهية الحضارة و عمقها الحقيقي.. إن الحضارة قبل كل شيء “هوية”، فهل يمكن استلهام الهوية؟

الجمعة، 28 أكتوبر 2011

لبيك اللهم لبيك ..




تُغرد الأرواح اليوم مناجية، منادية بالتلبية. قلوب حملت معها أجسادها إلى هناك. و قلوب رحلت وحدها ملبية، قاصدة إياك، و إن كانت الأجساد هنا تعاني كبد الشوق و اللهفة.
لبيك و اليوم الجمعة، نفتتح الفرحة بفرحة، نقرأ سورة الكهف، كأفضل ما نقرؤها في العام كله، و نصلي الجمعة، كأفضل ما نصليها في العام كله، و نسمع الخطبة، فيذكرنا الإمام أن الأيام العشر، كأفضل ما يكون العمل الصالح في العام كله.
لبيك، و الشعث الغبر أقبلوا على الكعبة، فازدحمت أصوات التوسل و امتلأت بالرهبة.
لبيك و حرمة دم المسلم أغلى من حرمة الكعبة. فتوجهت قلوبنا لدماء تسيل في الشام مرة و اليمن مرة.
لبيك و الثورة تشترط علي إن اتبعتها، أن لا أسألها عن شيء حتى تحدث لي منه ذكرا، لبيك، و هاهي اليوم تنبئني بتأويل ما لم استطع عليه صبرا.
أما ليبيا فإن شعبها أنقى و أرقى، فزاد نقاءً و ترقّى، وأما القذافي فقد تجبر و طغى، فنال جزاء أوفى. و أما تونس الخضرا، فلم تضِع ثورتها، و ما فوز النهضة إلا بشرى. أما مصر، فكفاها بصفقة الأحرار فخرا، و لتكونن أرض الكنانة أعز و أهدى..

لبيك اللهم لبيك، نجدد الطهر في قلوبنا. لبيك، نوجه قصدها إليك، نتوسل إليك، أن تعز أمتنا بنا، و أن تجعل لشهدائنا الجنة داراً و مأوى.. 

الاثنين، 1 أغسطس 2011

ثورة رمضان... في رمضان الثورة !


سهام أمسغرو- الرباط - الجزيرة توك

*الرابط: http://aljazeeratalk.net/node/8249



لقد كان من الملفت جداً الحضور القوي ليوم الجمعة خلال الثورات العربية التي نشهدها، حيث كانت أغلب اللحظات المفعمة بالقوة والحشد الجماهيري مرتبطة بصلاة يوم الجمعة التي شكلت فرصة للثائر العربي لإشعال حماسه وتجديد سموه الأخلاقي الذي ينشد من خلاله الحرية والكرامة و يتجرد به من الخوف على الذات و يقبل التضحية من أجل المصالح المتعدية.
هذا الشعور الديني الذي شهدناه حتى في صلاة الأقباط إلى جانب المسلمين في ميدان التحرير في مصر، يبدو واضحاً أنه جزء لا يمكن فصله عن روح الثورة و كيانها، و كما يقول المفكر علي عزت بيجوفيتش، فإن المجتمع العاجز عن التدين هو أيضاً عاجز عن الثورة، حيث يعتبر أن مشاعر الأخوة والتضامن والعدالة هي مشاعر دينية في صميم جوهرها، وإنما موجهة في الثورة لتحقيق العدالة و الجنة على هذه الأرض[i].
و لعلكم لا تختلفون معي في عدم وجود فترة يكون فيها هذا الشعور الديني في أرقى تجلياته وتوهجه مثلما يكون في أيام رمضان ولياليه المباركة. و إذ أهل علينا ، فلا بد أن تسود حالة من الاستعداد مليئة بالترقب لما قد نفاجئ به في هذا الشهر المختلف جدا من تاريخ أمتنا العربية الإسلامية.
رمضان..شهر التغيير !
 عندما كان اليأس يدب في أوصال أمتنا و كنا نمشي متثاقلين، نعدّ الهزائم و نضمد الجراح دون أن يخطر ببالنا أن ثورةً ستحدث في تونس، ثم مصر، ثم اليمن فليبيا فسوريا، وحراك لا يخبو هنا و هناك. كانت رمضاناتنا تمر مروراً سريعاً لا يكاد يُخلف أثراً، رغم كل ما نعيده ونكرره حول أهمية هذا الشهر في بناء نفوس قادرة على التغيير، وذكر الأمجاد الغابرة التي كان لرمضان الحظ الأوفر منها، وأصبح رمضان أمتنا شهرا للسمر والمسلسلات بامتياز بعد أن كان شهر بدر وفتح مكة والأندلس وحطين وعين جالوت وغيرها من الانجازات والانتصارات !
وإذ يبدو هذا العام مختلفاً، أصبحنا نتوقع أن يكون رمضانه لا يقل اختلافا؛ ومن يدري، قد تكون صلوات التراويح اليومية كلها أيام جمعة للثورة، وربما سنقول: شهر رمضان سيغير هذه المرة كما لم نقلها من قبل.
و لكن، ما لا يجب أن نغفل عنه هو أن:
التغيير... يبدأ من النفس
فبعد أن علت الأصوات المطالبة بالتغيير، وصدحت قهراً مطالبة بحقوقها المهضومة وثرواتها المسلوبة، يجدر بنا أن نرفع صوتاً لا يقل علوا نطالب من خلاله أنفسنا لتقوم بالواجب، الواجب الذي أصبح المواطن العربي يفرط فيه ربما من كثر سخطه وتذمره، لكن إذا كانت الثورة تهدم فساداً قائما، فإنها لن تبني وطنا أفضل... إلا إذا ارتفع صوت الواجب بالموازاة مع صوت الحق[ii] إذا كنا نسعى فعلا إلى تغيير حقيقي.
القيام بالواجب الذي لا يعتبر شيئا آخر غير الثورة على النفس، لن نجد فرصة ذهبية تشبه رمضان لننطلق من خلاله، رمضان... الذي يعتبر مدرسة حقيقية لتقوية العزائم وتربية الإرادات، والسمو بالأخلاق إلى مرتبة العطاء و التميز.
فهاهي  الثورة أشعلت فتيل التغيير من باب هدم الفساد، فهل سيشعل رمضان فتيل ثورة التغيير من باب البناء، بناء الفكر الذي ينهض بالأمة، بناء الأخوة والتضامن الذي يكفل الإتحاد والقوة، بناء الأفراد المتميزين الذين يحققون الإضافات النوعية.
أيها الرمضان، من فضلك، كـُن مثل عامك هذا - ثائرا- ولكن ليس على حكامنا فقط... ولكن على ذواتنا أيضاً.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

[i]أنظر "الإسلام بين الشرق و الغرب" -علي عزت بيجوفيتش – ص 114-115 |الطبعة الأولى|.
[ii]يتحدث مالك بن نبي في كتابه "شروط النهضة" عن "إنسان النصف" الذي يطالب بحقوقه فقط و لن يحقق أي تغيير بذلك، في المقابل يتحدث عن "إنسان الواجب" الذي لن تقوم أي نهضة حضارية إلا من خلاله.


الخميس، 31 مارس 2011

مغربية.. أمثل نفسي فقط !


لم أشعر في فترة من حياتي بهذه الرغبة التي تنتابني اليوم، في أن أحمل تراب الوطن بين كفي، أتنفسه، أقبله، و أعيده كرّة أخرى إلى الأرض، مشتهية في ذات الآن فسيلة أغرسها، و أحنو عليها إلى أن تكبر..


إنها مناسبات قليلة.. تلك التي نستحضر فيها نشوة الانتماء فرحا، و كثيرة الأخر التي تمر، يكون الانتماء فيها حاضرا و لكن حزنا و كمدا على هذا المـنـتـمى إليه..


الوطن الذي لا يسكنك لن تسكنه. و لذلك،  أغلب المواطنين هجروا الوطن في دواخلهم حين خذلهم ، فكان الخيط الرفيع الذي يفصل بين" هاد المغريب ما بقا فيه ما يدار" و بين "المغرب أجمل بلد في العالم"، هو نفس الخيط الرفيع الذي يفصل بين الحلم و الحقيقة ، بين الوطن الذي يسكننا و لا نسكنه، و الوطن الذي نسكنه و لا يسكننا..


مغربية أجل، هنا  ولدت و لعبت و كبرت و أكلت و شربت و درست.. و هنا أعيش حياة آمنة مستقرة لا يعكر صفوها سوى..هذا الوطن الذي يسكنني !ا


فالوطن الذي أسكنه، فيه منازل جميلة، و أسواق بها كل الخيرات، مدارس لا تمشي إليها على الأقدام مسافة جبل و هضبة و تل ، مصحات لا تحتاج فيها إلى شهادة الضعف كي تكون مواطنا يستحق العلاج المجاني حتى و لو بعد حين، وطن فيه –لحسن الحظ أم لسوئه- أشخاص يقدمون لك العون في كل ما لا يتيسر من أمورك الإدارية، حقوقك الوطنية  لأنها في الغالب لا تتيسر إلا عن طريقهم.


لكن الوطن الذي يسكنني فيه صفيح و عراء، فيه جوع و قمامة، فيه مغرب غير نافع لا يعرف الماء و لا الكهرباء و لا المستشفى و لا المدرسة، و فيه شباب يملك قدرات تؤهله كي يكون في مختبرات علمية..و لا يملك الفرصة حتى ليكون بائعا متجولا في الشوارع الرسمية، فيه فتيات يبعن شرفا من أجل لقمة، و فيه سجون تخفي ألما لا نستطيع حتى سماع رواية فصل من فصوله.. هذا الوطن الذي يسكنني فيه كفاءات نسمع عنها من خارجه، بينما يعتبره العالم وطنا من الدرجة الثالثة.


و لهذا صرخ أناس من أجل الوطن الذي يسكنهم،
و آخرون أيضا صرخوا..من أجل الوطن الذي يسكنونه


قالوا في الأولى : أيا سرّاقا لأحلامنا كفى، أطبقنا صمتا امتهنتم خلاله أكل لحومنا حتى اعتقدنا أن لحومنا حلال أكلها ، و هو  كذلك في شريعتكم، اتركوا الحلم فينا يكبر، و اتركوا الوطن الذي يسكننا نسكنه و نقطع الخيط الرفيع الذي كرستموه جدارا.. !!ا


فقال الآخرون: أصمتوا أيا عقّـاق الوطن، تهزون استقرار الآمنين ، و تتطاولون على أسيادكم الناعمين، و لا تعرفون أن ما بنا من شقاء إنما هو الفدا..فلزموا الفدا كما كنتم صمتا و لا تعكروا صفوا الشعب الطّاعـِم الكاسي من أجل قلة لم تغير ما بأنفسها كي يغير الله حالها يوما


بين الصرختين ، أطبقت مصغية..
فلم أشعر في فترة من حياتي بهذه الرغبة التي تنتابني اليوم، في أن أحمل تراب الوطن بين كفي، أتنفسه، أقبله، و أعيده كرّة أخرى إلى الأرض، مشتهية في ذات الآن فسيلة أغرسها، و أحنو عليها إلى أن تكبر..